أحمد بن محمد مسكويه الرازي

226

تجارب الأمم

- « قد عرفت [ 239 ] أنّى لك راج ، وأنّ طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدىّ بن زيد في ما يشير به عليك ، فإنّه والله لا ينصح لك أبدا . » فلم يلتفت الأسود إلى قوله . فلمّا أمر كسرى عدىّ بن زيد أن يدخلهم عليه ، جعل يدخلهم رجلا رجلا فيكلَّمه . فكان الملك كسرى يرى رجالا قلّ ما رأى مثلهم . فإذا سألهم : - « هل تكفوننى ما كنتم [ 1 ] تلون ؟ » قالوا : « نكفيك العرب إلَّا النعمان . » فلمّا دخل النعمان عليه ، رأى رجلا دميما [ 2 ] قصيرا أحمر ، فكلَّمه ، وقال : - « أتستطيع أن تكفيني العرب ؟ » قال : « نعم . » قال : « وكيف تصنع بإخوتك ؟ » قال : « أيّها الملك ، إن عجزت عنهم ، فأنا عن غيرهم أعجز . » فملَّكه ، وكساه ، وألبسه تاجا قيمته ستّون ألف درهم فيه اللؤلؤ ، والذهب . فلمّا خرج وهو ملك على العرب ، قال عدىّ بن أوس بن مرينا للأسود : - « دونك ، فإنّك خالفت الرأي . » ثم إنّ عدىّ بن زيد صنع طعاما في بيعة ، وأرسل إلى ابن مرينا أن : ائتني مع من أحببت ، فإنّ لي حاجة . فأتاه في ناس ، فتغدّوا في البيعة غداءهم المعدّ ، وشربوا . [ 240 ] فقال عدىّ بن زيد لعدىّ بن أوس : - « يا عدىّ ! إنّ أحقّ من عرف الحقّ ثمّ لم يلم عليه ، من كان مثلك . إنّى عرفت أنّ صاحبك الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك من أن يملك من صاحبي النعمان ، فلا تلمني على شيء كنت على مثله ، وأنا أحبّ ألَّا تحقد علىّ شيئا لو قدرت

--> [ 1 ] . مط : ما كنت تكون ! [ 2 ] . مط : ذميما ، والدميم : قبيح الوجه .